السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أرحب بكم مجدداً في الجزء الرابع من سلسلة المقالات العلاجية، وهي السلسلة التي نحاول فيها فهم أنفسنا بعمق، ونفكك المشكلات النفسية والسلوكية التي تعكر صفو حياتنا اليومية، لنصل معاً إلى طرق عملية للتغير والتعافي
في المقال السابق تحدثنا عن الذكاء العاطفي وكيف يدير مشاعرنا، أما اليوم فسنغوص في سؤال أعمق، سؤال يقف أمامه الكثير منا بقلب أثقله الحزن وجلد الذات:
كيف نتخذ قراراتنا؟ ولماذا يرتكب الإنسان خطأً وهو يعلم يقيناً أنه خطأ؟
لماذا قد يسمع شخص الموسيقى -مثلاً- وهو يستشعر في داخله حرمتها؟ أو يسلك عادة تضره وهو يعلم تماماً أنها تهدد صحته أو مستقبله؟
هل المشكلة في نقص الوعي؟ أم أن عقولنا تلعب معنا لعبة أعمق مما نتخيل؟ تعالوا نفهم القصة من بدايتها
كيف يتخذ العقل البشري قراراته؟
نعتقد جميعاً أن القرار هو مجرد “فكرة” نقتنع بها ثم ننفذها لكن الحقيقة النفسية تقول إن القرار هو معركة خفية تدار داخل العقل بين منطقين مختلفين تماماً.
يرى عالم النفس الحائز على جائزة نوبل دانيال كانمان أن دماغنا يتخذ القرارات عبر نظامين رئيسيين:
النظام الأول (التلقائي): يعتمد على المشاعر اللحظية، والبحث عن اللذة العاجلة، والهروب من المجهود. إنه النظام الذي يميل للراحة دائماً؛ فمعظم أعمالنا اليومية البسيطة تصدر عنه، مثل التحقق من أجهزتنا المحمولة فور الاستيقاظ من النوم. وهو يمثل ردة الفعل السريعة والحاضرة في أغلب الأوقات، فمثلاً: عند اشتعال النار، تكون ردة الفعل الفطرية هي الخوف والهرب، ولكن بمرور لحظات بسيطة يتدخل النظام الثاني للتفكير في طريقة لإخمادها.
النظام الثاني (العقلاني): وهو المرتبط بالفص الجبهي في الدماغ، المسؤول عن التفكير المنطقي، واستيعاب القيم، ومعرفة الصواب والخطأ، وحساب العواقب طويلة المدى. من أهم صفاته أنه يتطلب الوعي، ويستهلك وقتاً أطول لاتخاذ القرار وتحليل المعطيات. وعند دفع مبالغ الفواتير، أو اختيار التخصص الجامعي، أو حتى الموافقة على عرض وظيفي، يكون اعتمادنا الأساسي عليه لأنه يحتاج إلى تفكير وتحليل دقيق.
الأزمة الكبرى في حياتنا هي أن النظام (الثاني) يستهلك طاقة ذهنية هائلة، بينما يعمل النظام السريع (الأول) بتلقائية تامة ودون إجهاد. وعندما نقع تحت ضغط نفسي، أو تراكمات اليوم، أو مشاعر الإرهاق، يتعب النظام الثاني ويتنحى جانباً، ليتبوأ النظام السريع قيادة قراراتنا بالكامل.
وهنا تماماً نقع في الفجوة المشهورة بين ما نعرفه.. وما نفعله
لماذا تضعف قراراتنا وتنهار إرادتنا؟
لتفهم عزيزي القارئ أن ضعف إرادتك ليس دائماً بسبب “أنك شخص سيئ”، دعنا نتأمل هذه الدراسة العلمية البارزة.
أجرت الأكاديمية الوطنية للعلوم في أمريكا (PNAS) بحثاً شهيراً على مجموعة من القضاة لمعرفة مدى تأثير تعب العقل على جودة القرارات
أظهرت النتائج أن قدرة القضاة على اتخاذ قرارات عادلة وسليمة تكون في أعلى مستوياتها في بداية اليوم (حوالي 65%) عندما يكون الدماغ مرتاحاً وكامل الطاقة. ولكن مع مرور الوقت وتراكم القرارات والضغط الذهني، تبدأ هذه النسبة في الانخفاض تدريجياً، لتصل إلى الصفر تقريباً قبل فترات الراحة
ماذا يعني هذا لنا؟
يعني أن قدرتك على ضبط نفسك لاتخاذ القرار الصحيح هي “مخزون محدود” يقل على مدار اليوم. عندما تتعب، أو تحزن، أو تتراكم عليك الضغوط، يقل مخزون ضبط النفس لديك، فتصبح أضعف أمام المغريات، ويسهل عليك العودة لسلوكيات تعرف يقيناً أنها خاطئة
لماذا نكرر الخطأ؟
إذا كان الإنسان يعلم أن هذا الفعل خاطئ أو حرام، فما الذي يجعله يستمر فيه؟
هناك ثلاثة محركات نفسية تعمل في الخفاء:
1. البحث عن الدوبامين والهروب من الألم
الدماغ البشري مصمم بطريقة تجعله يهرب من الألم النفسي بأي طريقة. عندما تشعر بالقلق، أو الحزن، أو الفراغ، يبحث عقلك عن ملجأ سريع. السلوكيات الخاطئة (كسماع الموسيقى لتهدئة الأعصاب، أو التصفح القهري للهروب من الواقع) تفرز مادة الدوبامين. الدماغ لا يفكر حينها في “الحلال والحرام” أو “الصح والخطأ”، بل يفكر في: “ فعل يعطيه مسكناً سريعاً”.
2. التناقض المعرفي
عندما تفعل شيئاً يتناقض مع مبادئك، ينشأ داخل قلبك وعقلك توتر شديد ومزعج. ولأن تغيير السلوك يحتاج جهداً ومجاهدة، يختار العقل الحل الأسهل: خدع النفس وتبرير السلوك فتجد الإنسان يقول لنفسه: “الجميع يفعل هذا”، “أنا تحت ضغط كبير وربما أترك هذا لاحقاً”، أو “هذا ذنب صغير والله غفور رحيم”. بهذه التبريرات يخدع العقل نفسه ليقلل ألم التناقض دون أن يغير الفعل
3. (جلد الذات)
كثير من الناس بعد أن يقع في الخطأ، يبدأ بجرف نفسه في موجة قاسية من جلد الذات: “أنا منافق”، “أنا لا فائدة مني”. والحقيقة أن جلد الذات الشديد لا يجعلك تتوقف، بل يزيد من إحباطك ويجعلك تهرب مجدداً إلى نفس الخطأ لتنسى ألم الشعور بالذنب
“ مهما غلطت ومهما أذنبت، تذكر أن باب التوبة مفتوح والله غفور رحيم؛ تب توبة نصوحة. جميعنا نخطئ، لسنا كاملين ولا ندعي الكمال، فالكمال لله عز وجل، ولكن الإنسان يجب أن يتعلم من أخطائه، وإذا أذنب تاب ورجع إلى ربه ”
هل الإرادة وحدها تكفي، أم أننا نحتاج إلى “البيئة” قبل القرار؟
حين نتحدث عن اتخاذ القرارات ومقاومة الأخطاء، يظن البعض أن كل ما يحتاجه الإنسان هو “إرادة حديدية” فقط. لكن الحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون هي أن الإرادة وحدها لا تكفي إن كانت البيئة المحيطة تدفعك نحو السقوط.
فالعقل البشري يتأثر بشكل مباشر بالمحيط، ولهذا قال الفيلسوف وعالم النفس الشهير ويليام جيمس:
“أعظم اكتشاف في جيلنا هو أن الإنسان يمكن أن يغير حياته، إذا استطاع أن يغير اتجاهات عقله الداخلي وبيئته.”
وهذا يعني أنه بدلاً من أن ترهق نفسك بمحاربة الرغبة وأنت في قلب المثيرات والمغريات، اصنع بيئة تحميك؛ فالتغلب على الخطأ يبدأ أحياناً بإغلاق بابه، وتغيير المكان، والابتعاد عن المحفزات قبل أن تبدأ معركة الضعف. الإرادة الذكية هي التي تعرف متى تنسحب من ساحة المغريات، لا التي تواجهها وهي متعبه
“باختصار، يجب أن تكون لديك صلابة ذهنية؛ فلا تتبع هواك، بل تذكر أن الدنيا فانية ولن يبقى سوى عملك الصالح. ضع الله أمامك في كل شيء في حياتك.”
لست منافقاً.. بل بشراً يخطئ ويتوب
الإسلام يمتلك نظرة عميقة وواقعية ورحيمة جداً بالنفس البشرية. فهو لا يعامل الإنسان كملك معصوم، بل يعرف ضعفه ونقصه.
قال الله تعالى:
﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (النساء: 28).
وقال النبي ﷺ:
«كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ».
إن الوقوع في الخطأ مع معرفتك بحرمته لا يعني أنك منافق، ولا يعني أن إيمانك قد انتهى؛ بل هو دليل على ضعفك البشري الطبيعي.
الفرق الحقيقي بين شخص وآخر ليس في “عدم الوقوع في الخطأ”، بل في كيفية التعامل بعد الوقوع فيه. المستكبر يبرر ويستمر، أما المؤمن الصادق فيعترف بضعفه، ويستغفر، ويحاول من جديد دون أن ييأس من رحمة الله.
كيف نصلح طريقة اتخاذ قراراتنا ونحمي أنفسنا من التناقض؟
إذا أردت التغلب على سلوك خاطئ تستصعب التوقف عنه، إليك خطوات عملية قائمة على الوعي النفسي والشرعي:
لا تتخذ قرارات المقاومة وأنت مُرهق
عندما تدرك أن طاقتك تتراجع في أوقات معينة (مثل ساعات الليل المتأخرة، أو عند الشعور بالإرهاق والملل)، لا تترك عقلك وحيداً بلا حماية. تجنب المثيرات والمواقف التي تسهل عليك السقوط قبل أن ينفد مخزون طاقتك. ولحماية هذه اللحظات، اشغل نفسك بما ينفعك؛ تعلم مهارة جديدة، اقرأ كتاباً يغذي عقلك، ارسم لتعبر عن طاقتك، أو املأ قلبك بخشوع تلاوة القرآن الكريم.
2. افهم المشاعر التي تقودك للخطأ
قبل أن تمارس العادة أو السلوك الخاطئ، توقف لخمس ثوانٍ واسأل نفسك بصدق: “ما هو الشعور الحقيقي الذي أهرب منه الآن؟” هل هو الحزن؟ أم القلق؟ أم التوتر؟ عندما تسمي الشعور، يفقد التوق الشديد قوته عليك.
3. وفر البديل الصحيح (فالعقل لا يتحمل الفراغ)
لا تقل “سأتوقف عن هذا السلوك” وتترك مكانه فارغاً. العقل لا يستطيع البقاء في الفراغ. إذا أردت ترك سماع الموسيقى مثلاً عند الضغط النفسي، ابحث عن بديل يمنح روحك هدوءاً حقيقياً (كصوت قرآن كريم بصوت تحبه، أو الاستماع لأصوات الطبيعة، أو البودكاست النافع، أو ممارسة المشي).
4. تطبيق قاعدة الـ 10 دقائق
عندما تتملكك الرغبة الشديدة في ممارسة الخطأ، لا تقل لنفسك “لن أفعله أبداً” حتى لا يشعر عقلك بالحرمان المقاوم، بل قل: “سأنتظر 10 دقائق فقط ثم أقرر”. في الغالب، تجف موجة الرغبة الحادة بعد مرور هذه الدقائق القليلة.
كيف نصنع التحول الحقيقي؟
حين نصل إلى نقطة الفهم الحقيقي لطبيعة قراراتنا، ولماذا نتناقض أحياناً بين ما نعلمه في عقولنا وما تفعله جوارحنا، ندرك أن التغيير ليس سحراً يحدث دفعة واحدة، بل هو بناء هادئ وتدريجي
ولكي يكون هذا التغيير حقيقياً ومستداماً في حياتنا اليومية، لنتأمل معاً هذه الركائز الأساسية:
أولاً: إعادة صياغة وبرمجة “المحفزات اليومية”
أغلب عاداتنا السلبية المتكررة لا تأتي من فراغ، بل تسبقها سلسلة من الإشارات أو المحفزات الخفية؛ مثل شعور حاد بالملل، أو فراغ في تنظيم الوقت، أو ضغط نفسي متراكم.
الحل: لا تنتظر حتى يقع السلوك الخاطئ لتصارعه في نهايته، بل بادر بقطع جذوره منذ البداية. إذا كانت أوقات الوحدة أو السهر المتأخر هي بيئة الضعف، فغيّر مكان جلوسك أو بادر بالخلود إلى الراحة. وإذا كان الفراغ هو المدخل، فاملأ ساعاتك بأنشطة نافعة تُزكي النفس وتغذي الروح، كالاستزادة من العلم، أو القراءة الواعية، أو الهوايات الهادفة التي تبني ولا تستهلك طاقتك.
ثانياً: إعادة الاعتبار لمفهوم “التوبة المستمرة”
كثير من الناس يتخلى عن محاولة الإصلاح والتغيير بسبب شعوره الوهمي بأنه “منافق” لأنه يكرر الذنب أو الخطأ بعد أن تاب! وهنا تكمن الخديعة الكبرى التي يلقيها الشيطان في قلوبنا. الله سبحانه وتعالى لم يطلب منا أن نكون ملائكة لا تخطئ، بل طلب منا أن نكون توابين مستغفرين.
تذكر دائماً: تكرار الخطأ لا يعني أنك لا تريد التوبة بصدق، بل يعني أنك ما زلت في ميدان “المجاهدة”. وطالما أنك تحاول وتتألم لذنبك وتعود إلى ربك، فأنت في طريق النجاة.
ثالثاً: تحويل الإرادة من “ضغط قاسي” إلى “رحمة واعية”
حين تشتد على نفسك بالملامة والعقاب الدائم بعد كل عثرة، فإنك تستهلك ما تبقى من طاقة إرادتك الذهنية والنفسية. الإرادة الحقيقية ليست هي القسوة على النفس، بل هي القدرة على النهوض برفق.
عزيزي القارئ، إن الحياة رحلة بين عثرة وقومة، وبين ضعف بشري وسعة رحمة ربانية. لا تقيس قيمتك بعدد المرات التي سقطت فيها، بل بعدد المرات التي قررت فيها أن تنهض بقلب يرجو رحمة الله ويؤمن بأن التغيير ممكن.
تذكر دائماً أن الله سبحانه وتعالى لا ينظر إلى كمالك -فالكمال ليس من طباع البشر- وإنما ينظر إلى صدق محاولتك، وسعيك المستمر للعودة إليه كلما أبعدتك الخطوات.
شكرًا لقراءتك هذا المقال. شاركني رأيك في التعليقات
وألقاكم بإذن الله في المقال الخامس من سلسلة المقالات العلاجية.
بقلم: العنود الجهني
المراجع والمصادر العلمية والشرعية:
القرآن الكريم: سورة النساء (الآية 28).
السنة النبوية الشريفة: سنن الترمذي وابن ماجه، حديث: «كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون».
علم النفس المعرفي واقتصاد السلوك:
كتاب: (التفكير، بسرعة وببطء - Thinking, Fast and Slow) لعالم النفس الحائز على جائزة نوبل دانيال كانمان (Daniel Kahneman)، حول نظامي التفكير (النظام السريع والتلقائي والنظام البطيء والعقلاني).
الدراسات النفسية والعصبية (إرهاق القرار):
بحث الأكاديمية الوطنية للعلوم في أمريكا (PNAS - Proceedings of the National Academy of Sciences) حول تأثير اتخاذ القرارات المتراكمة على جودة الأحكام البشرية وإرهاق القشرة الجبهية (Decision Fatigue).
الفلسفة وعلم النفس الحديث:
مقولات العالم والفيلسوف ويليام جيمس (William James) حول تغيير البيئة واتجاهات العقل الداخلي لإحداث التغيير السلوكي المستدام.


مقال جميل جدا واستمتعت فيه وذكرت في مقالك ان يجب عليك استخدام صلابتك الذهنية وهذا الموضوع سويت فيه مقال تصفحيه إذا اردتِ
شكراً لهالمقال الجميل عاشت ايدج