السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أرحب بكم في الجزء الثالث من سلسلة المقالات العلاجية، وهي سلسلة نحاول من خلالها أن نعالج المشكلات التي أصبحت تؤثر في حياتنا من منظور نفسي وسلوكي وإيماني، لأن الإنسان ليس عقلًا فقط، ولا جسدًا فقط، بل روحٌ تحتاج إلى غذائها كما يحتاج الجسد إلى الطعام.
في المقال الأول تحدثنا عن إدمان المحتوى السريع وكيف يسرق انتباهنا ويؤثر في طريقة تفكيرنا، وفي المقال الثاني تناولنا الذكاء العاطفي وأثره في إدارة المشاعر والعلاقات. أما في هذا المقال، فإننا ننتقل إلى أصل العلاج، وإلى الركيزة التي تقوم عليها حياة المسلم كلها، وهي الإيمان.
لقد أصبحنا نعيش في زمنٍ كثرت فيه الملهيات، وتسارعت فيه الحياة، وأصبحت الفتن تدخل بيوتنا من أبواب لم تكن موجودة قبل سنوات؛ عبر الهواتف، ووسائل التواصل، والإعلانات، والمحتوى الذي يستهلك الوقت ويستنزف القلب قبل العقل.
وأمام هذا الواقع، لم يعد السؤال: كيف ننجح في الدنيا؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف نحافظ على قلوبنا؟ وكيف نبقى قريبين من الله وسط هذا الضجيج؟
قال الله تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[الذاريات: 56]
فهذه هي الغاية التي خُلق الإنسان من أجلها، وكلما اقترب منها شعر بالسكينة، وكلما ابتعد عنها عاش فراغًا لا يملؤه مال، ولا منصب، ولا شهره
أولًا: الإيمان... لماذا يضعف؟
الإيمان ليس شعورًا ثابتًا يبقى كما هو، بل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية والغفلة، ولذلك كان السلف يخافون على قلوبهم أكثر من خوفهم على أموالهم.
قال الله تعالى:
﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾
[الفتح: 4]
وكان النبي ﷺ يكثر من الدعاء:
«يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك.»
(رواه الترمذي).
فإذا كان رسول الله ﷺ يسأل الله الثبات، فنحن أحوج إلى هذا الدعاء في زمن كثرت فيه الفتن.
ومن أكثر أسباب ضعف الإيمان اليوم:
الانشغال المستمر بالدنيا حتى أصبح كثير منا يستيقظ على هاتفه وينام عليه.
هجر القرآن أو الاكتفاء بتلاوته دون تدبر.
كثرة الذنوب مع الاستهانة بصغائرها.
صحبة الغافلين أو متابعة المحتوى الذي يزين المعصية ويهونها.
ضعف الصلة بالله، وقلة الدعاء والذكر.
ولهذا قال الله تعالى:
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
[الرعد: 28]
فالطمأنينة ليست في كثرة الممتلكات، وإنما في قرب القلب من خالقه
صفحه واحده من القران لن تاخذ منك دقيقه
ثانيًا: فتن هذا العصر... معركة القلب
لم تكن الفتن في يوم من الأيام بهذا القرب.
أصبح الإنسان يحملها في جيبه، وينظر إليها عشرات المرات كل يوم، حتى أصبحت تؤثر في أفكاره، وأخلاقه، وطريقة نظره إلى الحياة.
قال رسول الله ﷺ:
«بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم...»
(رواه مسلم).
ومن أخطر فتن هذا العصر:
فتنة المقارنات: من أخطر فتن عصرنا أن يرى الإنسان الجانب المشرق من حياة الآخرين عبر وسائل التواصل، فيظن أن حياتهم كاملة وأنه أقل منهم، فينسى النعم التي أنعم الله بها عليه. والمؤمن لا يقيس سعادته بما في أيدي الناس، بل ينظر إلى ما رزقه الله، فيحمده ويشكره على نعمه الظاهرة والباطنة. وقد وعد الله الشاكرين بالزيادة، فقال سبحانه:
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7].
فكلما امتلأ القلب بالشكر، قلَّت المقارنات، وازداد الرضا، وعرف الإنسان أن أعظم النعم ليست فيما يملكه الآخرون، بل فيما وهبه الله له من دينٍ، وصحةٍ، وأهلٍ، وأمنٍ، ورزق.
فتنة الشهوات: أصبح الوصول إلى الحرام أسهل من أي وقت مضى، حتى صار الإنسان يواجه الفتنة في هاتفه، وعمله، وطرقه، مما يتطلب مجاهدةً دائمةً للنفس، واستعانةً بالله، والمحافظة على الصلاة؛ فهي أعظم ما يحفظ القلب ويعين على ترك المعاصي. قال الله تعالى:
﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45].
فكلما كانت صلة العبد بربه أقوى، كان أقدر على مقاومة الشهوات، لأن القلب إذا امتلأ بطاعة الله ضاقت فيه مساحة المعصية، وأصبحت النفس أقوى على مجاهدة الهوى، مصداقًا لقوله تعالى:
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: 40-41].
فتنة الشبهات: انتشار الأفكار التي تشكك في الدين وثوابته، حتى أصبح المسلم بحاجة إلى تعلم دينه ليحمي عقيدته
فتنة الانشغال: ساعات طويلة تضيع في الترفيه، بينما يقل الوقت المخصص للقرآن والذكر والعلم
ثالثًا: كيف نقاوم الشهوات؟
خلق الله الإنسان وفيه رغبات وشهوات، ولم يحرمه من الطيبات، وإنما أمره أن يضبطها بشرعه.
قال تعالى:
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾
[النازعات: 40-41]
وقال النبي ﷺ:
«حُفَّتِ الجنةُ بالمكاره، وحُفَّتِ النارُ بالشهوات.»
(رواه مسلم).
ولكي تقاوم الشهوات:
لا تعرض نفسك للفتنة ثم تعتمد على قوة إرادتك.
اشغل وقتك بما ينفعك.
غض بصرك عما حرم الله.
أكثر من الدعاء بأن يصرف الله عنك السوء.
تذكر دائمًا أن لذة المعصية مؤقتة، أما أثرها فقد يبقى طويلًا.
رابعًا: الصلاة... عمود الثبات
إذا ضعفت صلتك بالله، فابدأ بالصلاة.
قال تعالى:
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾
[العنكبوت: 45]
والصلاة ليست مجرد واجب، بل هي راحة للقلب.
وكان النبي ﷺ يقول:
«أرحنا بها يا بلال.»
فإذا دخلت الصلاة بقلب حاضر، خرجت منها بقلب أقوى
الصلاة هي أعظم ما يثبت القلب، وهي الصلة بين العبد وربه، ففيها يقف المسلم بين يدي خالقه خمس مرات كل يوم، يناجيه ويستعين به ويجدد إيمانه. وهي أول ما يُحاسَب عليه العبد يوم القيامة؛ فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله. قال رسول الله ﷺ:
«إنَّ أوَّلَ ما يُحاسَبُ به العبدُ يومَ القيامةِ من عملِه صلاتُه، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر.» (رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وصححه جمع من أهل العلم).
فكلما حافظ المسلم على صلاته بخشوع، قويت صلته بالله، واطمأن قلبه، واستقامت جوارحه، لأن الصلاة ليست مجرد حركات تؤدى، بل هي غذاء للروح، ونور للقلب، وأعظم معين على الثبات في زمن الفتن.
خامسًا: القرآن... غذاء الروح
كما يحتاج الجسد إلى الطعام، يحتاج القلب إلى القرآن.
قال تعالى:
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾
[الإسراء: 9]
وقال سبحانه:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾
[محمد: 24]
لا تجعل علاقتك بالقرآن علاقة تلاوة فقط، بل اجعلها علاقة فهم وعمل، واسأل نفسك عند كل آية: ماذا يريد الله مني؟
سادسًا: الابتلاء... ليس علامة غضب
يظن بعض الناس أن كثرة الابتلاء دليل على أن الله لا يحبه، بينما الحقيقة أن الابتلاء سنة من سنن الله
قال تعالى:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ... وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾
[البقرة: 155]
وقال رسول الله ﷺ:
«عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير...»
(رواه مسلم).
فقد يكون الابتلاء سببًا لتكفير الذنوب، أو رفعة في الدرجات، أو بابًا للعودة إلى الله.
“ما ابتلاك الله لتبتعد عنه، وإنما ابتلاك لتقترب منه.”
سابعًا: الدعاء... أعظم سلاح للمؤمن
كم مرة حملت همًا وحدك، مع أن باب السماء مفتوح؟
قال تعالى:
﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
[غافر: 60]اجعل لك كل يوم لحظاتٍ تخلو فيها بربك، ترفع فيها يديك وتُفرغ ما في قلبك، فالدعاء ليس للكرب وحده، بل هو راحةٌ للقلب، وسكينةٌ للروح، وقربٌ من الله
ثامنًا: تذكر الآخرة
من أكبر أسباب الغفلة أننا نعيش وكأننا لن نموت.
قال تعالى:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾
[آل عمران: 185]
فمن أكثر من ذكر الآخرة، صغرت الدنيا في عينه، وسهل عليه ترك الحرام
خواني وأخواتي، هذه نصيحة من القلب: إذا كان في حساباتكم مقاطع أو إعادة نشر تحتوي على أغانٍ، فاحذفوها واحتسبوا الأجر عند الله. فقد تبقى هذه المقاطع تُشاهد بعد سنوات، فيستمر إثمها ما دامت تُنشر ويُستمع إليها. ابدأوا اليوم، فما ترك عبدٌ شيئًا لله إلا عوَّضه الله خيرًا منه، ونسأل الله أن يجعل صفحاتنا شاهدًا لنا لا علينا.
تاسعًا: لا تيأس مهما كثرت ذنوبك
من أعظم مكائد الشيطان أن يقنعك بأنك بعيد عن الله.
لكن الله يقول:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾
[الزمر: 53]
فباب التوبة مفتوح، والله يفرح بعودة عبده إليه
مهما كثرت ذنوبك، ومهما طال بُعدك عن الله، فلا تيأس من رحمته. باب التوبة مفتوح ما دامت الروح في الجسد، والله سبحانه يفرح بتوبة عبده. اعزم على التوبة بصدق، وابدأ من اليوم، فرب توبة صادقة كانت سببًا في تغيير حياتك، والله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222].
عاشرًا: كيف نبني إيمانًا ثابتًا؟
الإيمان لا يقوى بالأمنيات، وإنما بالأعمال.
اجعل لنفسك برنامجًا يوميًا:
الصلاة في وقتها.
أذكار الصباح والمساء.
ورد ثابت من القرآن.
الاستغفار مائة مرة.
ركعتا قيام ليل ولو مرة في الأسبوع.
صدقة ولو قليلة.
مجلس علم أو درس أسبوعي.
صلاه الوتر
هذه الأعمال الصغيرة إذا داومت عليها صنعت قلبًا ثابتًا بإذن الله.
إن أعظم مشروع في حياتك ليس أن تجمع المال، ولا أن تحقق الشهرة، ولا أن يعرفك الناس، بل أن تلقى الله بقلبٍ سليم.
فكل ما تملكه اليوم سيبقى في الدنيا، ولن يرافقك إلى قبرك إلا عملك. لذلك اجعل علاقتك بالله هي أول أولوياتك، وأكثر من ذكره، ولا تهجر كتابه، وأقم الصلاة، وجدد توبتك كلما قصرت، وأحسن الظن بربك، واسأله الثبات في كل صباح ومساء.
قد لا نستطيع أن نمنع الفتن من الانتشار، لكننا نستطيع أن نبني قلبًا يعرف طريقه إلى الله، فإذا امتلأ القلب بالإيمان، هانت عليه الدنيا، وصبر على البلاء، وقاوم الشهوات، واستعد للقاء ربه.
نسأل الله أن يرزقنا قلوبًا سليمة، وإيمانًا صادقًا، وثباتًا على الحق، وأن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وأن يحيينا على طاعته، ويتوفانا وهو راضٍ عنا.
بقلم: العنود الجهني اذكروني بدعوه صادقه


الله يثبت قلوبنا على دينه
الله يجزيكِ الخير 🩷
Honestly, all your articles are very beautiful.